محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بل الصواب في ذلك عندنا : أن يسمَّى : عربيًّا أعجميًّا ، أو حبشيًّا عربيًّا ، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين - في بيانها ومنطقها - استعمالَ سائر منطقها وبيانها . فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما ، بأولى أن يكون إليها منسوبًا - منه ( 1 ) . فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها ، ووُجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم ، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها ، سبيلُ ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد ، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس - اجتماعٌ واقترانٌ ( 2 ) . وذلك هو معنى من روينا عنه القولَ في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب ، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة ، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الفرس ، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم . لأنّ من نسب شيئًا من ذلك إلى ما نسبه إليه ، لم ينفِ - بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه - أن يكون عربيًّا ، ولا من قال منهم : هو عربيّ ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبةَ إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها . وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي ، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني ، كقول القائل : فلان قائم ، فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد ، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما . فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى . وذلك كقول القائل فلان قائم مكلِّمٌ فلانًا ، فليس في تثبيت القيام له ما دلَّ على نفي كلام آخر ،
--> ( 1 ) قوله " منه " ، متعلق بقوله " بأولى " ، أي " بأولى منه . . " ( 2 ) في المطبوعة " باجتماع وافتراق " . وأراد الطبري بقوله " اجتماع واقتران " أي أن يقال هو : " عربي أعجمي ، أو حبشي عربي " ، كما مر آنفا في كلامه . وسياق عبارته بعد حذف التفسير والاعتراض من كلامه هو هذا : " فسبيل إضافته إلى كل جنس منها ، سبيل ما وصفنا . . اجتماع واقتران " . أي أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين .